السيد كمال الحيدري
56
شرح كتاب المنطق
وبقاء البيضة على صغرها ثمّ يجعل الدنيا في البيضة محال ، لأنّه يلزم منه اجتماع النقيضين ، وأن يكون الكبير ليس بكبير ، والصغير ليس بصغير . وهذا هو مبدأ عدم التناقض ، وهو وارد في كلمات الأئمّة ( عليهم السلام ) حيث إنّ الإمام ( عليه السلام ) يستدلّ بمبدأ عدم التناقض على محالية بقاء الدنيا على كبرها والبيضة على صغرها ، وهو نفس الأسلوب الذي استعمله القرآن الكريم في تعليق الأمر على محال ، وهو أن يدخل الجمل في سمّ الخياط ، لأنّ الجمل كبير وسمّ الخياط صغير . وهذا هو رأس المال الذي بين أيدينا فلننظر ماذا نفعل به . بعد هذا نقول : التجريبيات هي نفس المشاهدات مع إضافة تكرّر المشاهدة . توضيحه : عندما تضع يدك على النار مرّة واحدة تجدها حارّة ، وكذلك تجرّب مرّة ثانية فتضعها على نار أخرى تجدها حارّة أيضاً ، وتضعها ثالثة على أخرى تجدها حارّة أيضاً . . . وهكذا تجدها حارّة في الزمان الحاضر والماضي والمستقبل مع اختلاف الشروط واختلاف المكان وأينما تذهب تكون كذلك ، فتحاول أن تشكّل قياساً من جديد لتثبت أنّ كلّ نار حارّة ، لا أنّ هذه النار فقط حارّة . ومن هنا يتبيّن أنّ النتيجة - التي نتوصّل إليها من التجريبيات - كلّية ، بخلاف النتيجة التي توصّلنا إليها في المشاهدات ، فإنّها جزئية كما تقدّم . وإذا كان الأمر كذلك ، فلابدّ من تأليف قياسين خفيّين : استثنائي واقتراني ، ثمّ نعتمد على بعض المبادئ العقلية لنصل إلى النتيجة المطلوبة . مثلًا : لو جرّبت الحديد أكثر من مرّة ووجدته يتمدّد بالحرارة « 1 » . والاستقراءات في الأعمّ الأغلب
--> ( 1 ) وهذا ضمن شرائطنا على الأرض لأنّا لا نعلم أنّ الحديد يتمدّد بالحرارة حتّى خارج الغلاف الجوي أو لا ، ومثل هذا ما كان يخطر على أذهان العلماء قبل مئة سنة . نعم في زماننا يمكن أن نخرج الحديد عن الشرائط الأرضية ونرسله إلى كواكب أخرى لنرى أنّه يتمدّد بالحرارة أيضاً أو لا . ولنرى أنّ النار أيضاً تبقى حارة أو لا ، وأنّ الماء أيضاً يرفع العطش أو لا . . . كلّ هذه الأمور لم تجرّب بعد ، ولو ادّعى شخص ذلك فادّعاؤه تحكّم بلا دليل . إذ لا علم لنا بأنّ الأحكام التي تجري في الأرض هي نفسها تجري على تلك الكواكب التي اكتشفناها أو أنّ لها أحكاماً خاصّة بها ، ولعلّه بعد مئة سنة تكتشف كواكب أخرى فيرسل الإنسان الماء إلى تلك الكواكب ويجده لا يرفع العطش . ونحن قد تعرّضنا في علم الكلام أكثر من مرة لمثل هذه الأبحاث ، وقلنا : لو وصل الإنسان إلى مطلب علمي ، لا ينبغي أن يقول : إنّ هذا المطلب لا مزيد عليه ؛ إذ ما وصل إليه هو مبلغه من العلم ؛ قال الله تعالى : ذَلكَ مَبْلَغُهُمْ منَ الْعلْم إنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبيله وَهُوَ أَعْلَمُ بمَن اهْتَدَى النجم : 30 . وقال تعالى وَفَوْقَ كُلّ ذي علْمٍ عَليمٌ ( منه حفظه الله ) . .